الشيخ علي المشكيني
159
الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)
قلت : هذا موقوف على ثبوت عرفية المعنى المعروف بين الفقهاء والأصوليين للتفقّه في زمن الرسول صلى الله عليه وآله على الوجه المعتبر لحمل الخطاب عليه وأنّى لكم بإثباته ومعناه مطلق التفهّم فيجب الحمل عليه . الثاني : قوله تعالى : « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَاً فَتَبَيَّنُوا » ، « 1 » وجه الدلالة : أنّه سبحانه علّق وجوب التثبّت على مجيء الفاسق بالنبأ ، فينتفي عند انتفائه عملًا بمفهوم الشرط ، فعند مجيء غير الفاسق بالنبأ لا يجب التثبّت ويجب القبول . هذا ولكنّ الأظهر عدم دلالة الآية على المطلوب ؛ لما ذكرنا في مفهوم الشرط من أنّ الشرط قد يكون مسوقاً لتعليق الحكم عليه كما في « إن جاءت زيد فأكرمه » ، وقد يكون مسوقاً لبيان تحقّق الموضوع نحو « إذا ركب الأمير فخذ ركابه » ، وفي مثله لا مفهوم للشرط قطعاً ، والآية الشريفة من هذا القبيل ؛ فإنّ مفهومها : « إن لم يجئكم فاسق بنبأ فلا يجب التبيّن » ، ومن المعلوم أنّ عدم التبيّن - حينئذٍ - إنّما هو لعدم وجود الموضوع ، أمّا مجيء العادل بالنبأ فهو موضوع آخر غير مذكور في المنطوق . فإن قلت : هب أنّ الاستدلال بالآية بالنظر إلى مفهوم الشرط مخدوش ، فلم لا تدلّ على المقصود بمفهوم الوصف ؛ فإنّ مفهوم « إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ . . . إلخ » ، « 2 » إن جاءكم عادل بنبأ فلا تتبيّنوا ، ولازم ذلك وجوب قبول خبره لا طرحه بلا تبيّن ، وإلّالزم كون العادل أدنى مرتبة من الفاسق . قلت : قد مرّ أنّ الوصف لايدّ على المفهوم ، سيّما فيما إذا لم يعتمد على موصوفه كما في الآية الشريفة . الثالث : بناء العقلاء على العمل بأخبار من يثقون به في أمورهم العادية ، وإطباق قدماء الأصحاب الذين عاصروا الأئمّة عليهم السلام وأخذوا عنهم أو قاربوا عصرهم على العمل بأخبار الآحاد وروايتها وتدوينها والاعتناء بحال الرواة والتفحّص عن المقبول والمردود والبحث عن الثقة والضعيف ، واشتهار ذلك بينهم في كلّ عصر من تلك
--> ( 1 ) 1 و 2 . الحجرات ( 49 ) : 6 . ( 2 )